فصل: تفسير الآيات (107- 110):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (نسخة منقحة)



.تفسير الآيات (101- 106):

{الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (101) أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (102) قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (106)}
قوله: {أعينهم} كناية عن البصائر، لأن عين الجارحة لا نسبة بينها وبين الذكر، والمعنى: الذين فكرهم بينها وبين {ذكري} والنظر في شرعي حجاب، وعليها {غطاء} ثم قال إنهم {كانوا لا يستطيعون سمعاً} يريد لإعراضهم ونفارهم عن دعوة الحق، وقرأ جمهور الناس: {أفحسِب الذين} بكسر السين بمعنى: أظنوا، وقرأ علي بن أبي طالب والحسن وابن يعمر ومجاهد وابن كثير بخلاف عنه: {أفحسْبُ} بسكون السين وضم الباء بمعنى أكافيهم ومنتهى غرضهم، وفي مصحف ابن مسعود {أفظن الذين كفروا}، وهذه حجة لقراءة الجمهور، وقال جمهور المفسرين يريد كل من عبد من دون الله كالملائكة وعزير وعيسى، فيدخل في {الذين كفروا} بعض العرب واليهود والنصارى، والمعنى أن ذلك ليس كظنهم، بل ليس من ولاية هؤلاء المذكورين شيء، ولا يجدون عندهم منتفعاً و{أعتدنا} معناه: يسرنا، و{النزل} موضع النزول، والنزل أيضاً ما يقدم للضيف أو القادم من الطعام عند نزوله، ويحتمل أن يراد بالآية هذا المعنى أن المعد لهم بدل النزول جهنم، كما قال الشاعر: [الوافر]
تحية بينهم ضرب وجيع

ثم قال تعالى: {هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً} الآية المعنى: قل لهؤلاء الكفرة على جهة التوبيخ: هل نخبركم بالذين خسروا عملهم وضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم مع ذلك يظنون أنهم يحسنون فيما يصنعونه فإذا طلبوا ذلك، فقل لهم: {أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه}، وقرأ ابن وثاب {قل سننبئكم}، وهذه صفة المخاطبين من كفار العرب المكذبين، بالبعث، وحبطت معناه: بطلت، و{أعمالهم}: يريد ما كان لهم من عمل خير، وقوله: {فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً} يحتمل أن يريد أنه لا حسنة لهم توزن في موازين القيامة، ومن لا حسنة له فهو في النار لا محالة، ويحتمل أن يريد المجاز والاستعارة، كأنه قال فلا قدر لهم عندنا يومئذ، فهذا معنى الآية عندي، وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «يؤتى بالأكول الشروب الطويل فلا يزن بعضوة» ثم يقرأ {فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً} وقالت فرقة: إن الاستفهام تم في قوله: {أعمالاً} ثم قال: هم {الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً} فقال سعد بن أبي وقاص هم عباد اليهود والنصارى، وأهل الصوامع والديارات، وقال علي بن أبي طالب هم الخوارج، وهذا إن صح عنه، فهو على جهة مثال فيمن ضل سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه يحسن وروي أن ابن الكواء سأله عن {الأخسرين أعمالاً} فقال له أنت وأصحابك، ويضعف هذا كله قوله تعالى بعد ذلك {أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه} وليس من هذه الطوائف من يكفر بلقاء الله، وإنما هذه صفة مشركي عبدة الأوثان، فاتجه بهذا ما قلناه أولاً وعلي وسعد رضي الله عنهما ذكرا أقواماً أخذوا بحظهم من صدر الآية، وقوله: {أعمالاً} نصب على التمييز، وقرأ الجمهور {فحبِطت} بكسر الباء، وقرأ ابن عباس وأبو السمال {فحبَطت} بفتح الباء، وقرأ كعب بن عجرة والحسن وأبو عمرو ونافع والناس {فلا نقيم لهم} بنون العظمة، وقرأ مجاهد {فلا يقيم}، بياء الغائب، يريد فلا يقيم الله عز وجل، وقرأ عبيد بن عمير: {فلا يقوم} ويلزمه أن يقرأ وزن، وكذلك قول مجاهد {يقول لهم يوم القيامة}، وقوله: {ذلك} إشارة إلى ترك إقامة الوزن و{جزاؤهم} خبر الابتداء في قوله: {ذلك}، وقوله: {جهنم} بدل منه، و{ما} في قوله: {بما كفروا} مصدرية والهزء الاستخفاف والسخرية.

.تفسير الآيات (107- 110):

{إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (107) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (108) قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (109) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)}
لما فرغ من ذكر الكفرة والأخسرين أعمالاً الضالين، عقب بذكر حالة المؤمنين ليظهر التباين، وفي هذا بعث النفوس على اتباع الحسن القويم، واختلف المفسرون في {الفردوس} فقال قتادة إنه أعلى الجنة وربوتها، وقال أبو هريرة إنه جبل تنفجر منه أنهار الجنة، وقال أبو أمامة، إنه سرة الجنة، ووسطها، وروى أبو سعيد الخدري أنه تنفجر منه أنهار الجنة، وقال عبد الله بن الحارث بن كعب إنه جنات الكرم والأعناب خاصة من الثمار، وقاله كعب الأحبار، واستشهد قوم لذلك بقول أمية بن أبي الصلت: [البسيط]
كانت منازلهم إذ ذاك ظاهرة ** فيها الفراديس والفومان والبصل

وقال الزجاج قيل إن {الفردوس} سريانية، وقيل رومية، ولم يسمع ب {الفردوس} في كلام العرب إلا في بيت حسان: [الطويل]
وإن ثواب الله كل موحد ** جنان من الفردوس فيها يخلد

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس»، وقالت فرقة {الفردوس} البستان بالرومية، وهذا اقتضاب القول في {الفردوس} وعيون ما قيل، وقوله: {نزلاً} يحتمل الوجهين اللذين قدمناهما قبل، والحلول بمعنى التحول، قال مجاهد: متحولاً، ومنه قول شصار: [مجزوء الرجز]
لكل دولة أجل ثم يتاح لها حول

وكأنه اسم جمع، وكأن واحده حوالة، وفي هذا نظر، وقال الزجاج عن قوم: هي بمعنى الحيلة في التنقل.
قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف متكلف، وأما قوله: {قل لو كان البحر} إلى آخر الآية، فروي أن سبب الآية أن اليهود قالت للنبي عليه السلام كيف تزعم أنك نبي الأمم كلها، ومبعوث إليها، وأنك أعطيت ما يحتاجه الناس من العلم، وأنت مقصر، قد سئلت في الروح ولم تجب فيه، ونحو هذا من القول، فنزلت الآية معلمة باتساع معلومات الله عز وجل، وأنها غير متناهية، وأن الوقوف دونها ليس ببدع ولا نكير، فعبر عن هذا بتمثيل ما يستكثرونه، وهو قوله: {قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي} والكلمات: هي المعاني القائمة بالنفس، وهي المعلومات، ومعلومات الله سبحانه لا تناهى، و{البحر} متناه، ضرورة، وقرأ الجمهور: {تنفد} بالتاء من فوق، وقرأ عمرو بن عبيد {ينفد} بالياء وقرأ ابن مسعود وطلحة: قبل أن تقضي كلمات ربي، وقوله: {مداداً} أي زيادة، وقرأ الجمهور: {مداداً} وقرأ ابن عباس وابن مسعود والأعمش ومجاهد والأعرج {مدداً}، فالمعنى لو كان البحر {مداداً} تكتب به معلومات الله عز وجل، لنفد قبل أن يستوفيها، وكذلك إلى ما شئت من العدد، و{إنما أنا بشر مثلكم} لم أعط إلا ما أوحي إلي وكشف لي، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي: {ينفد} بالياء من تحت، وقرأ الباقون بالتاء، وقوله: {قل إنما أنا بشر مثلكم} المعنى: {إنما أنا بشر} ينتهي علمي إلى حيث {يوحى إلي} ومهم ما يوحى إلي، أنما إلهكم إله واحد، وكان كفرهم بعبادة الأصنام فلذلك خصص هذا الفصل مما أوحي إليه، ثم أخذ في الموعظة، والوصاة البينة الرشد، و{يرجو} على بابها، وقالت فرقة: {يرجو} بمعنى يخاف، وقد تقدم القول في هذا المقصد، فمن كان يؤمن بلقاء ربه وكل موقن بلقاء ربه، فلا محالة أنه بحالتي خوف ورجاء، فلو عبر بالخوف لكان المعنى تاماً على جهة التخويف والتحذير، وإذا عبر بالرجاء فعلى جهة الإطماع وبسط النفوس إلى إحسان الله تعالى، أي {فمن كان يرجو} النعيم المؤبد من ربه {فليعمل} وباقي الآية بين في الشرك بالله تعالى، وقال ابن جبير في تفسيرها لا يرائي في عمله وقد روي حديث أنها نزلت في الرياء، حين سئل النبي صلى الله عليه وسلم عمن يجاهد ويحب أن يحمده الناس، وقال معاوية بن أبي سفيان هذه آخر آية نزلت من القرآن.

.سورة مريم:

.تفسير الآيات (1- 6):

{كهيعص (1) ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6)}
اختلف الناس في الحروف التي في أوئل السور على قولين فقالت فرقة: هو سر الله في القرآن لا ينبغي أن يعرض له، يؤمن بظاهره ويترك باطنه. وقال الجمهور بل ينبغي أن يتكلم فيها وتطلب معانيها فإن العرب قد تأتي بالحرف الواحد دالاً على كلمة وليس في كتاب الله ما لا يفهم، ثم اختلف هذا الجمهور على أقوال قد استوفينا ذكرها في سورة البقرة، ونذكر الآن ما يختص بهذه السورة. قال ابن عباس وابن جبير والضحاك هذه حروف دالة على أسماء من أسماء الله تعالى الكاف من كبير وقال ابن جبير أيضاً الكاف من كاف وقال أيضاً هي من كريم فمقتضى أقواله أنها دالة على كل اسم فيه كاف من أسمائه تعالى. قالوا والهاء من هاد والياء من علي وقيل من حكيم وقال الربيع بن أنس هي من يأمن لا يجير ولا يجار عليه. قال ابن عباس والعين من عزيز وقيل من عليم وقيل من عدل، والصاد من صادق وقال قتادة بل {كهيعص} بجملته اسم السورة، وقالت فرقة بل هي اسم من أسماء الله تعالى. وروي عن علي بن ابي طالب رضي الله عنه أنه كان يقول يا {كهيعص} اغفر لي، فهذا يحتمل أن تكون الجملة من أسماء الله تعالى ويحتمل ان يريد علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن ينادي الله تعالى بجميع الأسماء التي تضمنها {كهيعص}، كأنه أراد أن يقول يا كريم يا هادي يا علي يا عزيز يا صادق اغفر، فجمع هذا كله باختصار في قوله يا {كهيعص}. وقال ابن المستنير وغيره {كهيعص} عبارة عن حروف المعجم، ونسبه الزجاج الى أكثر أهل اللغة، أي هذه الحروف منها {ذكر رحمة ربك عبده زكريا} وعلى هذا يتركب قول من يقول ارتفع {ذكرُ} بانه خبر عن {كهيعص}، وهي حروف تهج يوقف عليها بالسكون. وقرأ الجميع كاف بإثبات الألف والفاء. وقرأ نافع الهاء والياء وبين الكسر والفتح ولا يدغم الدال في الذال، وقرأ ابن كثير ونافع أيضاً بفتح الهاء والياء، وقرأ الحسن بن أبي الحسن بضم الهاء وفتح الياء، وروي عنه ضم الياء، وروي عنه أنه قرأ كاف بضم الفاء.
قال أبو عمرو الداني: معنى الضم في الهاء والياء إشباع التفخيم وليس الضم الخالص الذي يوجب القلب، وقرأ أبو عمرو بكسر الهاء وفتح الياء، وقرأ عاصم بكسرها، وقرأت فرقة بإظهار النون من عين وهي قراءة حفص عن عاصم وهو القياس إذ هي حروف منفصلة، وقرأ الجميع غيره بإخفاء النون جعلوها في حكم الاتصال، وقرأ الأكثر بإظهار الدال من صاد، وقرأ أبو عمرو بإدغامه في الذال من قوله: {ذكر}، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع بإظهار هذه الحروف كلها وتخليص بعضها من بعض، وارتفع قوله: {ذكرُ} فيما قالت فرقة بقوله: {كهيعص} وقد تقدم وجه ذلك، وقالت فرقة: ارتفع على خبر ابتداء تقديره هذا ذكر وقالت فرقة: ارتفع بالابتداء والخبر مقدر تقديره فيما أوحي اليك ذكر، وقرأ الحسن بن أبي الحسن وابن يعمر {ذَكَرَ رحمة ربك} بفتح الذال والكاف والراء على معنى هذا المتلو ذكر رحمة بالنصب، هذه حكاية أبي الفتح.
وحكى أبو عمرو الداني عن ابن يعمر أنه قرأ {ذَكِّر رحمةَ} بفتح الذال وكسر الكاف المشددة ونصب الرحمة و{عبدَه} نصب ب الرحمة التقدير ذكر أن رحم ربك عبده، ومن قال في الكلام تقديم وتأخير فقد تعسف. وقرأ الجمهور{زكرياء}بالمد، وقرأ الأعمش ويحيى وطلحة{زكريا}بالقصر وهما لغتان وفيه لغات غيرهما. وقوله: {نادى} معناه بالدعاء والرغبة. واختلف في معنى إخفائه هذا النداء، فقال ابن جريح ذلك لأن الأعمال الخفية أفضل وأبعد من الرياء، ومنه قول النبي عليه السلام «خير الذكر الخفي» وقال غيره يستحب الإخفاء بين العبد ومولاه في الأعمال التي يزكو بها البشر، وفي الدعاء الذي هو في معنى العفو والمغفرة لأنه يدل من الإنسان على أنه خير فإخفاؤه أبعد من الرياء وأما دعاء {زكرياء} وطلبه فكان في أمر دنياوي وهو طلب الولد فإنما إخفاوه لئلا يلومه الناس في ذلك، وليكون على أول أمره إن أجيب نال بغيته وإن لم يجب لم يعرف أحد بذلك، ويقال وصف بالخفاء لأنه كان في جوف الليل. و{وهن} معناه ضعف، والوهن في الشخص أو الأمر الضعف وقرأ الأعمش{وهِن}بكسر الهاء {واشتعل} مستعارة للشيب من اشتعال النار على التشبيه به.
و{شيباً} نصب على المصدر في قول من رأى {اشتعل} بمعنى شاب، وعلى التمييز في قول من لا يرى ذلك بل رآه فعلاً آخر، فالأمر عنده كقولهم: تفقأت شحماً وامتلأت غيظاً. وقوله: {ولم أكن بدعائك رب شقياً} شكر لله تعالى على سالف أياديه عنده معناه أي قد أحسنت إلي فيما سلف وسعدت بدعائي إياك فالإنعام يقتضي أن يشفع آخره أوله. وقوله تعالى: {وإني خفت الموالي} الآية، اختلف الناس في المعنى الذي من أجله خاف {الموالي}، فقال ابن عباس ومجاهد وقتادة وأبو صالح خاف أن يرثوا ماله وأن ترثه الكلالة فأشفق من ذلك، وروى قتادة والحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يرحم الله أخي زكرياء ما كان عليه ممن يرث ماله» وقالت فرقة إنما كان مواليه مهملين للدين، فخاف بموته أن يضيع الدين، فطلب {ولياً} يقوم بالدين بعده حكى هذا القول الزجاج وفيه أنه لا يجوز أن يسأل {زكرياء} من يرث ماله إذ الأنبياء لا تورث.
قال القاضي أبو محمد عبدالحق بن عطية رضي الله عنه: وهذا يؤيد قول النبي عليه السلام «إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا فهو صدقة»، ويوهنه ذكر العاقر. والأكثر من المفسرين على أنه أراد وراثة المال، ويحتمل قول النبي صلى الله عليه وسلم «إنا معشر النبياء لا نورث» أن لا يريد به العموم بل على أنه غالب امرهم فتأمله، والأظهر الأليق {زكرياء} عليه السلام أن يريد وراثة العلم والدين فتكون الوراثة مستعارة، ألا ترى أنه إنما طلب {ولياً}، ولم يخصص ولداً فبلغه الله أمله على أكمل الوجوه. وقال أبو صالح وغيره: قوله: {يرثني} يريد المال، وقوله: {ويرث من آل يعقوب} يريد العلم والنبوة. وقال السدي: رغب {زكرياء} في الولد. و{خفت} من الخوف هي قراءة الجمهور وعليها هو هذا التفسير، وقرأ عثمان بن عفان رضي الله عنه وزيد بن ثابت وابن عباس وسعيد بن العاصي وابن يعمر وابن جبير وعلي بن الحسين وغيرهم {خَفَّتِ} بفتح الخاء والفاء وشدها وكسر التاء على إسناد الفعل الى {الموالي} والمعنى على هذا انقطع أوليائي وماتوا، وعلى هذه القراءة فإنما طلب {ولياً} يقول بالدين، و{الموالي} بنو العم والقرابة الذين يلون بالنسب. وقوله: {من ورائي} أي من بعدي في الزمن فهم الولاء على ما بيناه في سورة الكهف، وقال أبو عبيدة في هذه الآية أي من بين يدي ومن أمامي وهذا قلة تحرير. وقرأ ابن كثير {من ورائيَ} بالمد والهمز وفتح الياء، وقرأ أيضاً ابن كثير {من ورايَ} بالياء المفتوحة مثل عصاي، والباقون همزوا ومدوا وسكنوا الياء. والعاقر من النساء التي لا تلد من غير كبرة وكذلك العاقر من الرجال.
ومن قول عامر بن الطفيل:
لبئس الفتى إن كنت أعور عاقراً ** جباناً فما عذري لدى كل محضر

و{زكرياء} عليه السلام لما رأى من حاله إنما طلب {ولياً} ولم يصرح بولد لبعد ذلك عنده بسبب المرأة، ثم وصف الولي بالصفة التي هي قصده وهو أن يكون وارثاً. وقالت فرقة: بل طلب الولد ثم شرط أن تكون الإجابة في أن يعيش حتى يرثه تحفظاً من أن تقع الإجابة في الولد لكن يخترم فلا يتحصل منه الغرض المقصود. وقرأ الجمهور {ويرثُني} برفع الفعلين على معنى الصفة للولي وقرأ أبو عمرو والكسائي {يرثْني ويرثْ} بجزم الفعلين، وهذا على مذهب سيبويه ليس هو جواب {هبْ} إنما تقديره إن تهبه يرثْني والأول أصوب في المعنى لأنه طلب وارثاً موصوفاً، ويضعف الجزم أنه ليس كل موهوب يرث.
وقرأ علي بن أبي طالب وابن عباس وغيرهما {يرثني وارث من آل يعقوب}، قال أبو الفتح هذا هو التجريد، التقدير: يرثني منه أو به وارث، وقرأ مجاهد {يرثَني ويرثَ} بنصب الفعلين، وقرأت فرقة {يرثني أو يرث من آل يعقوب} على التصغير. وقوله من {آل يعقوب} يريد يرث منهم الحكمة والحبورة والعلم والنبوءة والميراث في هذه كلها استعارة و{رضياً} معناه مرضي فهو فعيل بمعنى مفعول.